الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
330
تفسير روح البيان
بطونكم من شدة الجوع أو بالقسر وفيه بيان لزيادة العذاب وكماله اى لا يكتفى منكم بنفس الاكل كما لا يكتفى من يأكل الشيء تحلة القسم بل تلزمون بان تملأوا منها البطون اى يملأكل واحد منكم بطنه أو بطون الأمعاء والأول أظهر والثاني ادخل في التعذيب فَشارِبُونَ عَلَيْهِ اى على شجر الزقوم اى عقيب ذلك بلا ريث لعطشكم الغالب وتذكير ضمير الشجر باعتبار اللفظ مِنَ الْحَمِيمِ اى الماء الحار في الغاية فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ كالتفسير لما قبله اى لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل شرب الهيم وهي الإبل التي بها الهيام وهوداء يصيبها يشبه الاستسقاء فتشرب ولا تروى إلى أن تموت أو تسقم سقما شديدا جمع اهيم وهيماء فاصله هيم كأحمر وحمر وفقلبت الضمة كسرة لتصح الياء والمعنى انه يسلط عليهم من الجوع والتهاب النار في احشائهم ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو كالمهل فإذا ملأوا منه بطونهم وهو في غاية الحرارة والمرارة سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربونه شرب الإبل العطاش وفيه بيان لزيادة العذاب أيضا اى لا يكون شربكم أيها الضالون كشرب من يشرب ماء حارا منتنا فإنه يمسك عنه إذا وجده مؤلما معذبا بخلاف شربكم فإنكم تلزمون بان تشربوا منه مثل ما يشرب الجمل الأهيم فإنه يشرب ولا يروى وفي الآية إشارة إلى افراط النفس والهوى في شرب ماء حميم الجهل والضلال وفي أكل زقوم المشتهيات المورثة للوبال ولغاية حرصها لا تزيد الا جوعا وعطشا ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب كجا ذكر كنجد در انبان آز * بسختى نفس ميكند پا دراز هذا الذي ذكر من الزقوم والحميم أول ما يلقونه من العذاب نُزُلُهُمْ اى رزقهم المعد لهم اى كالنزل الذي يعد للنازل مما حضر مكرمة له يَوْمَ الدِّينِ اى يوم الجزاء فإذا كان ذلك نزلهم فما ظنك بحالهم بعد ما استقر لهم القرار واطمأنت بهم الدار في النار وفيه من التهكم ما لا يخفى كما في قوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم لان ما يعدلهم في جهنم ليس مكرمة لهم والجملة مسوقة من جهته تعالى بطريق الفذلكة مقررة لمضمون الكلام الملقن غير داخلة تحت القول نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ اى فهلا تصدقون أيها الكفرة بالخلق فان مالا يحققه العمل ولا يساعده بل ينبئ عن خلافه ليس من التصديق في شيء أو بالبعث فان من قدر على الإبداء قدر على الإعادة اعلم أن اللّه تعالى إذا اخبر عن نفسه بلفظ الجميع يشير به إلى ذاته وصفاته وأسمائه كما قال انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون وكما قال انا أنزلناه وإذا اخبر عن نفسه بلفظ المفرد يشير إلى ذاته المطلقة كما قال إني انا اللّه رب العالمين هذا إذا كان القائل المخبر هو اللّه تعالى واما إذا كان العبد فينبغي أن يقول أنت يا رب لا أنتم لايهامه الشرك المنافى لتوحيد القائل ولذا يقال أشهد أن لا اله الا اللّه ليدل على شهادته بخصوصه فبتعين توحيده ويظهر تصديقه أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ اى تقذفونه وتصبونه في أرحام النساء من النطف التي يكون منها الولد فقوله أفرأيتم بمعنى أخبروني وما تمنون مفعوله الأول والجملة الاستفهامة مفعوله الثاني يقال امنى الرحل يمنى لا غير ومنيت